هل يراقبك أحد بنظارات ذكية؟ هذا التطبيق يحذرك قبل أن يتم تصويرك

عزوز عماد
0

شخص يرتدي نظارات ذكية شفافة مع نص "هل أنت مراقب؟" للتحذير من مخاطر النظارات الذكية على الخصوصية - سدكاز
نظارات ذكية تبدو عادية لكنها قد تصوّرك دون أن تدري


تخيّل نفسك جالسًا في مقهاك المفضّل، تحتسي قهوتك بهدوء، ربما تتصفح هاتفك أو تتحدث مع صديق عن أمر خاص. على الطاولة المجاورة يجلس شخص يرتدي نظارة تبدو عاديةً للوهلة الأولى، ربما Ray-Ban أنيقة أو إطار أسود كلاسيكي. لا تلفت نظرك، ولا توقف انتباهك. لكن ما لا تعرفه هو أنّ تلك النظارة تحتوي على كاميرا خفية تصوّرك، أو ميكروفونًا يسجّل حديثك، أو ربما بثًّا مباشرًا ينقل كل تحركاتك لمتابعين مجهولين على الإنترنت.


هذا ليس مشهدًا من فيلم تجسس. هذا ما يحدث فعلًا في الأماكن العامة حول العالم، وبات يمثّل واحدةً من أخطر قضايا الخصوصية في عصرنا الرقمي.



نظارة شمسية بكاميرا.. وبلا أي شعور بالذنب


باتت النظارات الذكية، وأبرزها Meta Ray-Ban و Snap Spectacles، أكثر انتشارًا وأقل لفتًا للانتباه من أيّ وقت مضى. الجيل الأخير منها يشبه تمامًا النظارات الشمسية العادية، والفارق الوحيد الظاهر هو ثخانة الإطار قليلًا. لكن داخل هذا الإطار يكمن عالم من التقنية: كاميرا تلتقط الصور والفيديو، ميكروفونات حساسة، مكبّرات صوت، ونظام ذكاء اصطناعي متكامل.


المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها. المشكلة أنّ هذه الأجهزة صُمِّمت لتكون غير مرئية، وهذا بالضبط ما يجعلها أداةً مثاليةً للتصوير بدون إذن. في الولايات المتحدة وحدها، رصدت تقارير عدة حالات تصوير داخل غرف تبديل الملابس، وصالات الرياضة، والمحاكم، وعيادات الأطباء. وأفادت تقارير بأنّ بعض ضباط الحدود الأمريكيين ارتدوا هذه النظارات أثناء تأدية مهامهم الرسمية دون علم العموم.


لا توجد إشارة واضحة تدل على أنّ التصوير جارٍ. مؤشر LED صغير جدًا لا يراه أحد من مسافة. وفي كثير من الحالات يُعطَّل هذا المؤشر تمامًا عبر تعديلات تقنية بسيطة.



حين تبدو الفكرة "مجنونة" لكنها منطقية تمامًا


هنا يأتي Yves Jeanrenaud، مطوّر هاوٍ لا يعمل في شركة تقنية كبرى، بل هو شخص عادي قرأ التقارير عن انتهاكات الخصوصية بالنظارات الذكية وقرّر أن يفعل شيئًا. أنشأ تطبيقًا اسمه Nearby Glasses، متاحًا على متجر Google Play، ومهمته واحدة: تحذيرك حين تكون نظارات ذكية بالقرب منك.


الفكرة حين تسمعها أول مرة تبدو غريبةً بعض الشيء. تطبيق يراقب من يراقبك؟ مراقبة مضادة؟ تقنية لمكافحة التقنية؟ نعم، بالضبط. ورغم غرابة الفكرة، لا يمكنك إلا أن تعترف بمنطقيتها حين تفكر فيها بعمق. الشعور بالارتباك الذي ينتابك حين تدرك أنّ خصوصيتك ربما اخترقت دون علمك هو شعور يستحق أن يكون لدينا أداة للتعامل معه.



كيف يعمل التطبيق؟ الـ Bluetooth هو المفتاح


لا يستخدم Nearby Glasses كاميرا هاتفك ولا يحتاج لرؤية النظارات بصريًا. طريقته أذكى من ذلك بكثير.


النظارات الذكية، كأيّ جهاز إلكتروني متصل، تبثّ باستمرار إشارات Bluetooth Low Energy تُعرف بـ "advertising frames"، وهي إشارات تعريفية يستخدمها الجهاز ليُعلن عن وجوده للأجهزة القريبة. كل شركة مصنّعة لها توقيع رقمي مميز في هذه الإشارات. ما فعله Jeanrenaud هو أنّه بنى قاعدة بيانات من التوقيعات الرقمية لشركات Meta و Snap و EssilorLuxottica، ثم برمج التطبيق ليفحص الإشارات اللاسلكية المحيطة ويقارنها بهذه القاعدة. حين يعثر على تطابق، يرسل لك إشعارًا فوريًا.


العملية تحدث في الخلفية بصمت، دون أن تفعل شيئًا. أنت تجلس في مقهاك، والتطبيق يشمّ الهواء الرقمي من حولك بحثًا عمّن قد يراقبك.



لكنه ليس مثاليًا.. وهذا جزء من الحقيقة


الصدق يقتضي ذكر حدود هذا التطبيق، لأنّ مطوّره نفسه يُصرّح بها بوضوح: "هذا حل تقني لمشكلة اجتماعية فاقمتها التقنية. لا أريد أن أروّج للتقنية كحل سحري، ولا أريد أن يشعر الناس بأمان زائف."


القيود الأساسية ثلاثة: أولًا، يعمل فقط حين تكون النظارات الذكية نشطةً ومتصلةً، إذا كانت في وضع الطيران فلن يكتشفها. ثانيًا، قد يعطي نتائج إيجابية خاطئة أحيانًا، إذ ربما يخلط بين بعض سماعات Bluetooth وأجهزة VR وبين النظارات الذكية. ثالثًا، مداه محدود بمدى استشعار الـ Bluetooth في هاتفك، وهو يتفاوت من جهاز لآخر.


لكن حتى مع هذه القيود، الاكتشاف الجزئي أفضل من العمى الكامل.



لماذا نكره الفكرة ونحتاجها في الوقت ذاته؟


هناك شيء مقلق نفسيًا في فكرة "المراقبة المضادة". نحن لا نريد أن نعيش في عالم نحتاج فيه لتطبيق يخبرنا من يراقبنا. نريد أن نثق في الناس من حولنا، وأن نجلس في مقهانا دون أن نفكر في التوقيعات الرقمية لنظارات الجار.


لكنّ الواقع فرض هذه المعادلة. حين تُباع سبعة ملايين نظارة Ray-Ban Meta في عام واحد، وحين تتراكم التقارير عن استخدامها في التصوير غير القانوني، وحين تعمل Meta على إضافة خاصية التعرف على الوجه للنظارات القادمة لتستطيع تحديد هوية من تنظر إليه بمجرد النظرة الأولى، حينئذٍ يصبح التطبيق ليس ترفًا بل ضرورةً دفاعيةً حقيقية.


نحن في لحظة انقلاب حقيقي في ميزان الخصوصية. لأول مرة في التاريخ، يستطيع أيّ شخص في مكان عام أن يوثّق كل ما يراه بشكل غير ملحوظ تمامًا وبسعر لا يتجاوز سعر نظارة شمسية عادية.



ماذا حين تستطيع النظارة أن تعرف اسمك؟


Meta تعمل على دمج التعرف على الوجوه مع نظاراتها القادمة. هذا يعني أنّ الشخص الجالس بجانبك قد يعرف اسمك وعملك وحساباتك الاجتماعية بمجرد أن ينظر إليك. مستقبل الأمان الشخصي في عصر الميتافيرس يبدو مقلقًا بشكل متصاعد، وتطبيق من شخص هاوٍ لا يكفي وحده للتصدي له.


نصيحة لمن يريد أن يبقى حذرًا الوعي هو خط الدفاع الأول. إليك ما يمكنك فعله اليوم:

على المستوى التقني: حمّل تطبيق Nearby Glasses على هاتفك الأندرويد وشغّله في الأماكن العامة الحساسة. التطبيق مجاني وخفيف ولا يستهلك الطاقة بشكل ملحوظ.


على مستوى الوعي البصري: تعلّم كيف تبدو النظارات الذكية. Ray-Ban Meta لها إطار سميك بعض الشيء في الجهة الخارجية، ونقطة صغيرة في الزاوية هي مؤشر LED. الملاحظة الدقيقة تساعدك كثيرًا.


على مستوى السلوك: في الاجتماعات الحساسة والمحادثات الخاصة، كن حذرًا ممن يرتدون نظارات غير مألوفة الشكل. ليس معناه الشك في الجميع، بل معناه الانتباه الواعي الذي يميّز بين الثقة والسذاجة.


هذا العالم الجديد لا يطلب منك أن تعيش خائفًا دائمًا. لكنّه يطلب منك أن تعيش مُدركًا، لأنّ الجهل في زمن النظارات الذكية لم يعد خيارًا يمكن تحمّل تبعاته.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)